أغبياء جدا .. أولئك الذين ظنوا أن الذاكرة أصابها التصحر ، والتاريخ قلب الصفحة ، والحق قبل الهزيمة ، والوطن بلغ الشيخوخة ، والإرادة نخرها السوس .. والشهداء محض سراب ..
في تلك اللحظة التي قال فيها فرعون أنا ربكم الأعلى ، أختار القدر ساعته وألقى عصاه لتلقف كل أفاعي الباطل ، وينفلق البحر لتعبر الجموع براية الحق ، وتشق الفلك عباب الوطن المقدس من أقصاه حتي أقصاه بهتاف ودعوات الثابتين علي أخضرهم راية وطريقا وكتابا ، وأضرمت نار الحقيقة في ثنايا قلوب أخوة يوسف الذين ظنوا أنهم ألقوه في البئر وتاه في غيابات الجب نسيا منسيا ، ليجدونه وسط القصر ملكا مهابا ، وتتحقق الرؤيا أحدى عشر كوكبا له ساجدين ، بصوت الندم إنا كنا خاطئين ..
الجموع كنهر هادر تزف رفاة الشهيد بسيل من دعوات الجنة وشهادات الفخر وأوسمة الوطن .. بينما يبتلع النسيان كل أرتال الردة وفلول المجرمين دون أن يذكر أحد أسمائهم تلاحقهم اللعنات حتي قيام الساعة ، يعتصرهم الندم وتأكلهم الحسرة أمام المشهد المهيب الذي أعاد للمغفلين وعيهم المغيب ..
هو ليس حدث عابر .. وكما كان سفك دمه الزكي ناقوس عجاف الدم والسقوط والردة .. سيكون عودة رفاته لمسقط رأسه ناقوس عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون .. والعارفون والراسخون في العلم يدركون المعنى والمغزى والإشارة والبشارة ... الفارس الليبي


