في نهاية الأربعينيات الماضية، كان ما فات العائق الأشد و الأقسى امام الذين التقوا حول الأمير ادريس السنوسي ليختاروه مقدماً عليهم يقودهم لإقامة ليبيا. كان ما فات كله ثارات بعثها الاحتلال التركي ثم الإيطالي بعده بين الليبيين على مدى خمسةِ قرونٍ تقريبا ضمن سياسة ضرب بعضهم ببعض؛ و لهذا كانت كل محاولات الليبيين للتحرر من الإحتلالين تنتهي بتعزيزهما و ليس بهزيمتهما.
كانت طريقة الأمير السنوسي و الملك فيما بعد لا سبيل غيرها في اي ظرف انقسمت فيه أي جماعة على نفسها و تقاتلت بعد ذلك ؛فقد بعثت الآمال و بعثت دولة من العدم غير ان المخاطبين بها قد احتفظوا بما فات في اذهانهم كما يبدو و لم يكن "الحتحات" كافياً لتغطيته..
لقد ثبت انه حتى اطنانا من الخرسانة و ليس شيئا من الحثى تكفي لنسيان مافات بالردم ..
الليبيون لا ينسون. الليبيون يدسون. الدس من الغرائز التي لا تقهرها غير الحكمة و الحلم.
في مثل هذا اليوم منذ 51 عاماً قامت الجمهورية في ليبيا ، على ذات القاعدة تقريبا. نسيان الأحقاد و دفنها. غير انه بعد اربعين عاماً انبعث بين الليبيين ما كان منسياً. كانت الاحقاد كوريثة النار في الرماد. ما أن نفث فيها هنري برنار ليفي حتى علا سناها. شوّه الليبيون انفسهم ، و أساوا إلى ماضيهم. لوّثوا كل رموزهم القديمة و الجديدة و وظفوها في أحقادهم. نبشوا مافات و تذكروا ما نسوه.
لا يمكن ان يكون الذين تحلقوا حول الامير إدريس السنوسي في واقعة الحتحات قد أخلّوا بوعدهم. لقد كانوا في مستوى نفوسهم الكبيرة دون شك و كذلك الذين كانوا حوله من الوطنيين:
في مناسبة إحياء يوم من أيام الإجلاء في ليبيا أقيمت في رأس الأنوف عام 1979؛ استضاف الراحل المرحوم معمر القذافي قيادات المملكة الليبية في بيت المرحوم ابوبكر لمقريف والد الشهيد إمحمد الذي كان حريصا على زيارته دوريا كلما انتقل بين غرب و شرق ليبيا ..
بين الحاضرين كان المرحوم معمر القذافي يجول مسلماً و سائلا عن حاجتهم. عندما وصل الى المرحوم احسين مازق رئيس وزراء المملكة الليبية الأسبق سأله مخاطبا: "بالك تبي شيء يا عمي احسين".
اجاب حالا :
"هذي اللي انريدها و الباقي هناك و راحتك"..
حصر المرحوم احسين مازق حاجته في قدره فاكتفى بعبارة يا عمي أحسين من مخاطبه... أي نفس كبيرة هذه و اي كريم هذا؟
لا يمكن ان يكون الذين اساءوا إلى ليبيا سنة 2011 من طينة الذين كانوا حول المرحوم إدريس السنوسي ..
في ذكرى قيام الجمهورية يحتاج الليبيون إلى العفو و ليس النسيان. النسيان فعل سهل، يستطيع القيام به أي كان ، لكن الأصعب منه هو العفو ؛ و هو أفيد إذا كان عفواً صادقاً و ليس خادعاً .. عفو يترتب عليه اندماج الناس بالمصاهرة و بالمشاركة في الاعمال و الأقوال و ليس عفوا مبنيا على الخداع ..
أخشى ان أقول أنه ليس بين الليبيين اليوم ممن بيدهم "الحل و العقد" مغالبة او صدفة ؛ حكيم او حليم بمستوى تلك النفوس الكبيرة ؛ و أخشى أن أقول أيضا ان الليبيين اعداءٌ بما يكفي ليدمروا كيانا بحجم ليبيا ، و قد فعلوا ..
تحية للجمهورية في عيدها، و تحيّة للذين اعلنوها في ذكراها ؛ احياءً و أمواتاً ما ظلّوا على وطنيتهم،
المجد لشهيديها الحيين؛ و الدعاء لهما، اللذين كانت بداية مسيرتهما فخر و نهايتها كذلك:
قائدها معمر ، و رفيقه أبوبكر ..



