يتدرج الأمن القومي للدول بين ثلاثة مستويات :
وطني؛ و اقليمي؛ و دولي ..
كل الدول تسعى لحماية امنها القومي؛ و كل دولة ليست معنية وحدها فقط بأمنها القومي ؛ جوارها أيضا و اقليمها و أحياناً العالم أجمع معني به؛ لأن انهيار الأمن القومي لدولة ما يشكل تهديدا للأمن القومي للدول الأخرى التي تتشارك معها في الاقليم؛ كما انه قد يشكل تهديدا للأمن الدولي أي الأمن الجماعي ..
الأمن القومي يتأسس على السيادة. اذا انعدمت سيادة أي دولة انهار امنها القومي. لا وجود لأمن قومي في دولة بلا سيادة ؛ بل إن دولة بلا سيادة هي موضوع أمن قومي لدولة أخرى، يعطيها حق التصرف نحوها بما فيه احتلالها اذا استطاعت لتضمن أمنها.
تصرّف الدول السيدة نحو أمنها القومي من الأعمال المشروعة في القانون الدولي الذي لاتنتظر فيها موافقة أحد، و لا يمنعها عنها أعتراض احد. ▪︎▪︎▪︎
في سنة 2011 فقدت ليبيا سيادتها فأنهار أمنها القومي لأول مرة منذ تأسيسها.
في تاريخها كله تهدّد أمن ليبيا بصورة خطرة مرة واحدة كانت عام 1981 عندما شكّلت وقائع الصراع الداخلي في تشاد خطرا على امن ليبيا فدفعت من جيشها بما قوامه فرقة عسكرية نحو جارتها. لم يتوقف هذا التهديد حتى بالتراضي مع الفرنسيين على تحديد "خط أحمر" هو خط العرض 16°شمالا، و لم يتوقف سعي ليبيا لإنهاء هذا التهديد إلا بوصول رئيس تشاد الحالي للحكم بمساعدتها.
بأخطر مما كانت تشاد، شكّلت ليبيا منذ سنة 2011 خطرا على الامن القومي "الإقليمي" كله ، غير أن دول الإقليم وقفت تتفرج على هذا الخطر و اكثر ما فعلته هو التحذير، بل ان منها من اعتبر أن من مصلحته استمرار الحالة الليبية على ماهي عليه من "السيولة".
على المستوى الدولي لم ير "مجتمعه" في الحالة الليبية تهديداً لأمنه بل كان يراها مصلحة له ؛ فهو من صنعها .
لم يتأثر اقليم ليبيا وحده فقط بانهيار امنها القومي ، تأثرت اوروبا كذلك. ليبيا ليست من اقليم أوروبا لكنها كانت منذ ان عُرف التأريخ و ستظل مؤثرا في أمنه. اكتشفت أوروبا خطورة الحالة الليبية عليها. سعت بطريقتها لدرء هذا الخطر . أدارت حالة البلاد الأمنية بعد أن صادرت سيادتها و وضعتها في جيوب سفرائها. وصل السفور حد ان قال السفير الإيطالي لليبيين: "إن ايطاليا لايمكن ان تسمح بإجراء أي انتخابات في ليبيا".
ايطاليا اكثر العابثين بأمن ليبيا و سيادتها، لأنها وجدت في ذلك سبيلا لتحقيق مصالحها الاقتصادية بالذات عن طريق النصب و الاحتيال حد الإتفاق مع تركيا خصمها التاريخي في ليبيا.
و لا يخفي هذا ان أميركا و بريطانيا أكثر الحريصين على ارتهان سيادة ليبيا في جيوب سفيريهما.
▪︎▪︎▪︎
في مواجهة حال بلادهم لم يتفق الليبيون على معالجته؛ بل انهم اختلفوا حتى في النظر إلى المخاوف المصرية و الأطماع التركية. معظمهم اختار العواطف و السطحية سبيلا . معظمهم تكلم عن التطاول المصري و التركي على السيادة الليبية و انه ليس من حق مصر أن تخاف و تركيا أن تطمع؛ و كأن ليبيا دولة سيدة.
كل هذه العواطف لن تجدي في منع الخائفين من الحالة الليبية أو الطامعين فيها من ان يرسموا الخطوط الحمراء حيث يرون. ليست مصر وحدها من رسم خطا أحمر شرق الخط الجغرافي الطولي 15° شرقاً بقليل. الم تقل الجزائر أن طرابلس خط أحمر؟ هل يدرك أحد ما معنى اعتبار عاصمة دولة خط أحمر من رئيس دولة أخرى ؟ هل يدرك احد ماذا يعني ان يحدد رئيس دولة على الخريطة بالخط الأحمر حدود أطماعه في دولة أخرى و أهلها يتفرجون؟ هل يدركون معنى ان يدير سفير دولة سياسة دولة أخرى؟ ▪︎▪︎▪︎
لن تجدي العواطف في تبديد المخاوف المصرية، و لا في إبطال الأطماع التركية و لا في إفساد المكر البريطاني و الأميركي و الغرب عموما. لن يجدي غير استعادة سيادة البلاد و هي للأسف ستكون سيادة منقوصة في بدايتها لانها تحت قيود الفصل السابع من الميثاق الأممي، و إن استردادها حتى منقوصة سيكون بإنتهاز فرصة "غفلة" أُتيحت أكثر من مرة خلال هذه التسع المكروهة و لكن الليبيين غافلون ...



