ترجمة: د. مضر بركات
.
في
اللحظة التي قامت فيها الولايات المتحدة بتوسيع حربها على إرهاب داعش من
العراق إلى سوريا، اكتسب الرئيس بشار الأسد دعماً عسكرياً وسياسياً إضافياً
أكثر لا يتوفر لأي قائد عربي.
فمع
انفجار القنابل والصواريخ عبر شرق سوريا، يستطيع الأسد الآن أن يضيف هذه
القوة الأمريكية على حساباته لإطالة عمر نظامه، وذلك إلى جانب روسيا والصين
وإيران وحزب الله، وكذلك الأردن وحشداً من دول الخليج الغنية.
وإذا
كان هناك أيّ حكمةٍ في المثل العربي القائل "عدوّ عدوّي صديقي"، فإن الأسد
الآن قد أثبت صدق ذلك، حيث يمكن لقائد سوريا، من منزله في دمشق، أن يعتبر
أن أعظم قوة على وجه الأرض تحاول الآن أن ترسل أشرس أعدائه (داعش) إلى عالم
النِسيان، بعد أن كانت في العام الماضي تتمنى أن ترسله هو إلى ذلك العالم.
السعوديون
(السنّة) الذين موّلوا بتبرعاتهم (الدولة الإسلامية السنيّة)، يرون
حكومتهم الآن تقوم بمساعدة الولايات المتحدة على تدمير هذه (الدولة
الإسلامية السنية) ذاتها..!
وبينما
إيران وحزب الله (الشيعة) يحاربون قاطعي الرقاب (السنة) على أرض المعركة،
ها هم يشاهدون قنابل وصواريخ الولايات المتحدة تتساقط كالمطر على أولئك
الأعداء أمام أعينهم.
منذ
أن وجد (تشرشل) نفسه في عام 1941 حليفاً لـ(ستالين) الصديق السابق
لألمانيا النازية، لم يحصل أن وجدَ أيّ رئيسٍ نفسه يتحول بهذه السرعة
الخاطفة إلى (أخٍ في السلاح) إلى جانب خصمه المرعب.
لكن
بكل تأكيد، النظام البعثي السوري ليس غبياً كي ينخدع فيأخذ كلمة (صداقة)
بهذه السطحية، وكذلك نحن، لأن أوباما هو آخر إنسان في الدنيا يمكن للرئيس
الأسد أن يتعاون معه ويثق به، كما أن الأسد لا يحتاج أن يقوم فلاديمير
بوتين بتذكيره بذلك..، وكذلك أيضاً فإن النظام السوري سوف يراقب عن كثب
وبأعلى درجات الحذر هذه القوات الجوية الأمريكية -العديمة الأخلاق- التي -
حتماً لا محالة- سوف تنفلت من عُقالها لتستهدف أهدافاً أخرى غير الأهداف
المُعلنة أساساً.
بصرف
النظر عن الضحايا المدنيين في منطقة إدلب، فإن استهداف أمريكا لـ(جبهة
النصرة) المرتبطة بالقاعدة، يدفعنا للافتراض أن لدى البنتاغون أهدافاً أخرى
في سوريا غير داعش..، ولا ندري متى مثلاً سينفجر أحد الصواريخ الأمريكية -
عن طريق الخطأ طبعاً- في مستودع أسلحة تابع للجيش السوري..، أو في أي
منشأةٍ تابعةٍ للحكومة السورية..؟!!
وطالما
أن أمريكا قررت أن تموّل وتدرّب ما يسمى (المعارضة المعتدلة)، فما الذي
يمنعها أن تقوم بتوجيه ضرباتها إلى عدوّيها معاً، داعش والنظام..؟!، أمأ
أولئك السوريين الذين يدعمون (ما تبقى) من هذه (المعارضة المعتدلة) فكيف
سيكون ردّ فعلهم على القصف الأمريكي الذي قتل أقرباءَهم المدنيين في إدلب
بدلاً من قتل قوات الأسد..؟!، مع ملاحظة أن هذه القنابل الأمريكية لا تبدو
أقل فتكاً من القنابل التي تلقيها عليهم طائرات الأسد..؟!
بالنسبة
إلى دول الخليج، لم تتمكن أيّ دولةٍ منها حتى الآن من تقديم دليلٍ واحد
على أنها شاركت في قصف أيّ أهداف في سوريا، فقط الأردن ادّعت أنها هاجمت
داعش، أما باقي حلفاء الملك عبد الله من العرب المشاركين في "تحالف
النوايا" فعلى ما يبدو إن مشاركاتهم قد اقتصرت على تقديم المدرّجات والوقود
للطائرات، وربما يرسلون طيرانهم في دوريات فوق مياه الخليج، وبالمناسبة
يبدو أننا قد نسينا أن اسم (تحالف النوايا) هو تعبيرٌ كان جورج دبليو بوش
قد أطلقه على تلك الدول التي ساندته في حربه على العراق عام 2003.
في
قاعة الاستماع في الكابيتول-هيل في الأسبوع الماضي، تعرّض جون كيري إلى
مواجهة هامة وشديدة مع أعضاء الكونغرس، فقد تلعثم ولم يجب حين ألحّوا على
معرفة عدد الطائرات التي سترسلها الدول العربية للمشاركة في ضرب داعش..!
في
الحقيقة عرب الخليج يعلمون مقدار المبالغة في الادعاء بأن الضربات الجوية
بالقنابل الذكية كانت ناجحة ولم تقتل مدنيين في الأعوام 1991 و2003، وكذلك
صواريخ كروز التي دمرت الملاجيء ومعسكرات التدريب ومراكز قيادة العمليات،
وقد تبين أن كل ما قيل من تطمينات لم يكن سوى مراوغة وخداع، ورغم ذلك، فإن
الأمريكيين الآن يعيدون طبخ الطبخة ذاتها في عملياتهم ضدّ "داعش".
فهل
كان أولئك المقاتلون الإسلاميون يجلسون ويشربون الشاي ربما في معسكرات
التدريب بانتظار الطائرات الأمريكية القادمة لتقتلهم..؟ وهل ادّعى الدواعش
أن لديهم مراكز قيادة عمليات وملاجيء وكمبيوترات وشرائح رقمية لتحديد
الأهداف..؟! أم أن كل ما لديهم هو مجرّد أجهزة موبايل..؟!
ورغم ذلك تقول المصادر الأمريكية أنه قد تم تدمير أحد مراكز داعش لقيادة عمليات...!!!
وكما
هي العادة غالباً في إطار (الإثارة) التي ترافق عمليات التصعيد لمواجهة
جديدة، فإن (خبراءَنا) المُهترئين من (السفراء السابقين) يزدحمون على
الشاشات الفضائية ويقلّبون عبر كتب التاريخ قبيل البدء بالحديث عن
(حملاتنا) العسكرية..، مثال قولهم أن "الدولة الإسلامية" هي وليدة
"القاعدة" في العراق، وأنها اجتذبت المناوئين للاحتلال الأمريكي الذي نتج
عن الاجتياح الأمريكي-البريطاني للعراق في عام 2003..!!، فهل يظن أي عاقل
أن الولايات ستقوم اليوم بتدمير أعداء الرئيس الأسد لو لم يقُمْ "بوش"
و"توني بلير" بتلك المغامرة في العراق..!!
إن
كلمة (المُفارقة) لا تكفي للتعبير عن كيفية تحوّل (المبعوث الدولي للسلام
في الشرق الأوسط) في اليومين الماضيين إلى (مبعوث دولي للحرب) عبر زيادة
احتمال إدخال المزيد من الجيوش الغربية إلى الدول الإسلامية..، فهل يتوجب
على النظام السوري أن يضحك، أم أنّ عليه أن يذرف الدموع..؟؟
.
صحيفة "الإندبندنت" البريطانية
روبرت فيسك – الثلاثاء 23 أيلول 2014
.


