أراء وتحلايلات
تاريخ النشر : 24/6/2014
بأداء المشير عبدالفتاح السيسي للقسم الدستوري يوم 9يونيو الجاري ، كرئيسًا منتخبًا لجمهورية مصر العربية ، الجمهورية الخامسة ، يكون السيسي أول رئيس منتخب ديمقراطيًا بخلفية ونشأة عسكرية ، يصل للرئاسة عبر صناديق الإقتراع منذ قيام النظام الجمهوري بمصر ، وهو مايجب النظر إليه بعين الإعتبار ، كثقافة سياسية جديدة في دولة الإستقلال العربي .
بعد إنتصار تيار المقاومة والمتمثل في صمود دمشق الأسطوري ، وتفتيتها لحلقات المؤامرة حلقة حلقة ، والمتمثلة في السعي لإسقاط الدولة السورية والنظام السوري وسياسات الدولة السورية والنيل من مؤسساته الحرجة ، المتمثلة في الجيش العربي السوري ، والأجهزة الأمنية ، والحزب والحكومة ، وبالتالي الإجهاز التام على معسكر المقاومة والممانعة بالتداعي ، عبر تدمير النواة والحاضن وهي سوريا ، وهو ماعبرت عنه تلميحًا وتصريحًا ماتسمى بالمعارضة السورية ، ومارشح ورصد من توصيات مؤتمراتها وسلوك وتصريحات بعض عناصرها في توصيف مشهد وهوية الدولة السورية في عهدهم . أترقب شخصيًأ تجربتان عربيتان تتشكلان في نهاية الربيع ومن رحم معاناته ، قد تُشكلان أنموذجًا مثاليًا يُحتذى لدولة الإستقلال العربي في القرن الحادي والعشرين ، الأولى مُبهرة وعليها الكثير من الأضواء والرهانات والبريق ، وهي التجربة المصرية في ظل عهدة السيسي ، والثانية تسير في الظل وبدون طقوس أو مراسم رغم أهميتها في تقديري ، وهي تجربة الحراك الشعبي في السودان ، بقيادة رجل الدولة والفكر الدكتور غازي صلاح الدين العتباني ، وحزبه المعروف بالإصلاح ، والذي جمع تحت عباءته الفكرية وأهدافه الوطنية طيف من كافة مكونات النسيج الإجتماعي والفكري والسياسي في السودان ، كإستجابة طبيعية للغة العصر وسنن التطور ، ومراجعة لتجربة الحكم في السودان الحديث ، وتقييمًا ونقدًا لها ، وقد تكون تجاوزًا ثوريًا لجميع النظريات والأدوات والرموز والنُخب التي قادت السودان منذ فجر إستقلاله عام 1956م عن إنجلترا . وقد ينطبق على هذا الحراك كذلك ، وصفه بالإنقلاب الفكري والسياسي الشامل على موروث السودان الحديث إن قُدر له النجاح .
وبما أن الحراك السوداني الوليد والفتي لم يشتد عوده بعد ، أو تتشكل ماهيته وهويته النهائية ، فسنركز على التجربة المصرية ، لما تعنيه مصرتاريخيًا وحضاريًا للأمة العربية كقلب ونواة ومحور ، تتداعى له سائر أطراف الجسد تلقائيًا محاكاة وتقليدًا وتأثرًا .
الأمانة والمهام المُلقاة على عاتق مصر والمرجوة منها في عهد السيسي جسيمة ودقيقة للغاية ، ليس على الصعيد المحلي فحسب ، بل على الصعيد الإقليمي والعربي ثم الدولي بالتزامن مع حراك النظام وإشتغاله على إصلاح الداخل المصري . مشكلات مصر اليوم ، رغم ظاهرها المُعقد والمُركب ، إلا أنها ممكنة الحل وميسرة في حال توفر القيادة الوطنية الواعية بالمُمكنات ، والخبيرة في توظيف أدوات القوة لجغرافية مصر وتاريخها وثرواتها الطبيعية والبشرية ، مع جرعات من الحلول الذكية ذات القيمة المضافة على كافة الصُعد المحلية والإقليمية .
ماهو مطلوب من مصر اليوم – في تقديري – هو الإنشغال بالداخل المصري عبر الإهتمام بتعزيز وإستعادة مكانة ودور مصر الإقليمي . مصر اليوم بلا أدنى شك ، لاتستطيع أن تكون مصر عبدالناصر ، وتعيد زمن التحدي والكبرياء العربيين ، فلكل زمان دولة ورجال ، وأدواته وضروراته ، ومصر اليوم لاتستطيع أن تكون مصر السادات والتي زاوجت بين ثقافتي إنتصار أكتوبر ومعاهدة كامب ديفيد ، كما أنها لن تكون مصر مبارك ، والتي سوقت نفسها كدولة تابع بإمتياز ، وتركت شواغرها الطبيعية يملؤها الصغار بجدارة ودون إستحقاق ، ومصر اليوم لن تكون مصر مرسي ، والتي كرست الإقصاء وبسطت ثقافة الإنتصار للحزبية على حساب الوطن ، وعبثت بثوابت مصر وتطلعات أبناءها تحت شعارات الشرعية والفلول والدولة العميقة .
مصر اليوم ، تعاني بحق من بعض مظاهر وأعراض موروث العهد الناصري من مخلفات العهد الملكي ، مع شئ من التغيير في المسميات والأدوات والأدوار . أوضاع داخلية مُثقلة بالتردي الإقتصادي والفساد المالي والإداري والسياسي ، نكسة الفلوجة للجيش المصري في فلسطين عام 1948م ، تقابلها اليوم قيود كامب ديفيد وأخواتها ، وحصار غزة وعربدة كيان العدو ، والإحتلالات الغربية الإستعمارية لأقطار عربية في زمن ناصر ، تقابلها اليوم سقوط كيانات عربية فاعلة ومؤثرة (العراق وليبيا وإنهاك سوريا)، بفعل مباركة العرب وجامعتهم العربية وتخاذلهم وختمها ربيعهم المشئوم ، وكيانات عربية هامشية وصغيرة ، تتقمص أدوار البطولة وتستغل الخواء السياسي وفراغه لتحجيم مصر وشل حركتها ودورها وفاعليتها ، وحركة الأخوان في 9مارس 1954م ، تحشد الجماهيرأمام قصر عابدين وتطالب اللواء محمد نجيب بعودة الحياة السياسية ، وتسليم السلطة لعناصر مدنية (وهو حق يراد به باطل ، ولؤأد الثورة في مهدها ، من واقع النتائج لاحقًا واليوم )، تقابلها اليوم إقتصاص الأخوان من الدولة المصرية والنيل من مؤسساتها الحرجة ، بزعم عودة "الشرعية " وإسقاط "الإنقلاب" .
رغم كل شئ ، أمام القيادة المصرية اليوم ، جملة هائلة من التجارب والعبر والخيارات ، بمجرد إستعراضها لتاريخ عمر الجمهورية المصرية منذ ثورة 23 يوليو 1952م ولغاية اليوم ، للبناء على التجارب الناجحة ولتلافي العثرات وتجنب مواطن الفشل ، وهو مالم يسلكه نظام عربي من قبل ، حيث أعتمدت سياسات حرق المراحل ثم البناء على الأنقاض .
الرئيس السيسي ، هو في النهاية إبن مؤسسة عسكرية عريقة ، لها عقيدة راسخة ورسالة جلية ، لم يجروء رئيس أو نظام تعاقب على حكم مصر ، من المساس بهما بصورة تجرح كبرياء المؤسسة العسكرية ، وتستفز مشاعر أبناءها ، رغم مظاهر خضوعها التام لمعايير السياسة ومقاديرها . ولم يعد سرًا ، تخطيطها للقيام بحركة تصحيحة لمسار مبارك وعزله في 23 يوليو 2011م ، لإنقاذ مايمكن إنقاذه ، وحين فاجأتها ثورة 25 يناير 2011م ، واكبت المستجدات وراقبت الوضع عن كثب حتى أملت على الرئيس مبارك التنحي في تجل واضح لحضورها وعصمتها لمصالح الوطن العليا ، مع مارشح في السابق عن إبلاغها للرئيس مبارك بأن التوريث لإبنه جمال خط أحمر ، مع جملة من الحقائق والأسرار والمواقف والتي سيتكفل الزمن وحده بنشرها وتدفع بها قادم الأيام . وبالتالي لايستطيع الرئيس السيسي ، أن ينفك بسهولة ويسر من هذا الإرث وتلك المسئولية حتى لو أراد ذلك . الأمر الثاني ، يعلم الرئيس السيسي ومن حوله كذلك ، بأن مصر اليوم هي أحوج ماتكون – وقبل كل شئ - إلى برنامجًا أخلاقيًا صارمًا ، يكافح الفساد بأنواعه ، ويعزز من ثقة المواطن بالوطن ، ويرفع من منسوب الرضى عنه ، ويعيد لخزينة الدولة المصرية شئ من الـ 70 مليار دولار سنويًا من الفساد المالي ، وفق تقديرات المنظمة الدولية لمكافحة الفساد . والنجاح في تطبيق هذا البرنامج ، ستجني مصر من وراءه جملة لايستهان بها من المنافع ، أولها إسترداد عوائد مالية هائلة مهدورة ، وآخرها خلق مناخ صحي عام ، يُبدد المخاوف من المستقبل والقلق والتوتر لدى المواطن ، ويجفف منابع التطرف والإرهاب ومبرراتهما ، ناهيك عن خروج مصر من دائرة الإبتزاز والشفقة والإحسان رغم خيراتها الوفيرة والعميمة ، الطبيعية والبشرية .
من يعتقد من العرب أو غيرهم ، بأنه بتدفق ملياراته على خزينة الدولة المصرية اليوم ، يستطيع أن يجعل من مصر أداة طيعة في يده وتحت تصرفه فهو واهم ، ومن يعتقد أو يسعى لتحجيم دور مصر ومنعها من الحيوية والنمو بفعل تلك المليارات فهو في وهم أكبر ، فالواقع وسنن التاريخ ومنطق الأمور تقول بأن مصر اليوم لابد أن تختلف عن مصر في الحقب الماضية جميعها ، وإلا لم يكن هناك أي داع أو مبرر لكل هذا الحراك الشعبي والتفاعل الرسمي ، والمخاض العسير ليلدوا فأرًا .
ثورة 23 يوليو 1952م وحركة الضباط الأحرار ، خلقتها ظروف مصرية بحتة ، ولكن عبقرية الثورة إستجابت لاحقًا لنواميس التاريخ وحقائق الجغرافيا والسياسة ، ولقدر مصر التاريخي ودورها ، فأصبحت ثورة عربية ، وبفكر وحدوي ، إذعانًا لتلك الحقائق والمُسلمات . ومصر اليوم ، في عهد السيسي وعُهدته ، لاتستطيع الإنفكاك من تلك المسئوليات الجسام ولاتجاهل تلك الحقائق التاريخية الساطعة كالشمس ، ولايمكنها النهوض بالداخل المصري وتحقيق أمنها الوطني والقومي ، وجوارها العربي يئن تحت وطأة الربيع وآثاره المرعبة ، فالقيادة المصرية تعلم أكثر من غيرها بأن الوقوف مع العراق وليبيا وسوريا لإستعادة مواقعهم اللآئقة والفاعلة ، ليس قرارًا إختياريًا أو عاطفيًا أو قابل للنقاش وتبادل وجهات النظر ، بل قرار مصيري لانقاش ولاجدال فيه . وعلى العرب اليوم التسليم بهذه الحقيقة ، ودعم مصر كشقيقة كبرى ، وم
حور قوة وإرتكاز ، بعد أن جربوا الشتات واليُتم الحقيقي لأكثر من أربعة عقود ، بلا قائد أو شقيق أكبر أو مرجعية ، ومارسوا شعار المساواة في الضعف عدل . فدعم مصر فيما مضى كان بهدف إذلالها وإخضاعها وإضعافها ، أما اليوم فيجب أن يكون لإستثمار مصر الغد والتي ستكون في أسوأ الأحوال وتقديراتها أفضل الأقطار العربية بقليل ، إن خذلتها الظروف وتكالب عليها الأشقاء والأعداء .
مسقط 11 يونيو 2014م


